علي بن أحمد المهائمي

117

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( ومنهم : من يعلمه مفصّلا ) يطلع على تفاصيل ذلك من نفسه في كل الأحوال ، أو بعضها ، وقد يكون فيهم من يطلع على تفاصيل كل الأعيان في بعض الأحوال ، وهو نادر جدّا ، ( والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا ) ، وإن كان أعلم ممن لا يطلع على سر القدر ، وإن آمن به ، وإنما لم يقل ، وهذا أعلى دون الأول مع أنه أخص ؛ لأنه يوهم أن المراد أن الواقف على سر القدر أعلى من غيره ، وهو غير مقصود هنا ، وقد فهم مما تقدم ، وبين وجه علوه بقوله : ( فإنه يعلم ما في علم اللّه فيه ) قيد بذلك ؛ لأنه الغالب في حق من يطلع إذ لاطلاع على الغيب المطلق ، ولو في بعض الأقوال نادر جدّا ، عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] . ( إما بإعلام اللّه إياه ) بالوحي ، أو الإلهام ، أو الكشف الضروري في اليقظة أو المنام ( بما أعطاه ) أي : الحق عينه ( من العلم به ) ، مع أنه محجوب عن عينه . وفيه تنبيه بأن كل إعلام إلهي ليس موجبا للوقوف على سر القدر بل الإعلام على هذا الوجه ، ومعنى إعطاء العين الثابتة العلم للحق أنه لما كان معرفة الشيء على ما هو به ، فكأنه أعطاه إياه . ( وإما بأن يكشف له ) الكشف المعنوي ( عن عينه الثابتة ) ، وإن كانت عدمية بأن يكشف له عن علمه الأزلي الذي ثبتت عينه فيه ، ويكشف له عن ( انتقالات الأحوال عليها ) في الأزمنة الآتية إلى ما يتناهى من حيث ثبوتها أيضا في العلم الأزلي ، وإنما ذكرها ؛ لأن الكشف عن عينه الثابتة يجوز أن يكون بدون الكشف عن أحوالها ، كمن يرى الشيء من بعد لا يطلع على تفاصيل أعراضه وأجزائه وهو أي : من يكشف له عن عينه الثابتة ، وانتقالات الأحوال عليها ( إلى ما لا يتناهى أعلى ) من صاحب الإعلام . وإن كان أعلى ممن يعلم القدر إجمالا ، ثم بين وجه كونه أعلى بقوله : ( فإنه يكون في علمه بنفسه ) فيه إشعار بأنه ، وإن كوشف عن العلم الأزلي ، يجوز أن يخفى عليه أحوال أعيان غيره ( بمنزلة علم اللّه به ) في الإحاطة بتفاصيل أحواله الغير المتناهية من غير لبس وخفاء ؛ ( لأن الأخذ ) أي : أخذ علم اللّه ، وعلم هذا العبد ( من معدن واحد هو ) عينه الثابتة ؛ فإن علم اللّه ، وإن كان قديما إلا أنه من حيث المطابقة للمعلوم كالمأخوذ منه ؛ فلا فرق من هذه الجهة بين العلمين ( إلا أنه ) أي : العلم بالعين الثابتة ، وانتقالات الأحوال عليها إلى غير النهاية ( من جهة العبد ) ؛ لحدوثه ( عناية من اللّه سبقت له ) ، وعلم اللّه لقدمه ليس عن عناية أحد ؛ لكن العناية الإلهية أيضا ( هي من جملة أحوال عينه ) ، فهي أيضا من العبد من هذا الوجه ، وإذا كانت العناية الإلهية من جملة أحوال عينه ( فيعرفها ) أي : العناية من حيث كونها من جملة أحوال عينه معرفة كشفية ( صاحب هذا الكشف ) الذي كوشف عن